الشيخ محمد رشيد رضا
288
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
ابن عبد اللّه القرشي لا من عند اللّه الذي أرسله به لوجدوا فيه اختلافا كثيرا لعدم استطاعته واستطاعة أي مخلوق أن يأتي بمثل هذا القرآن في تصوير الحق بصورته كما هي لا يختلف ولا يتفاوت في شيء منها ، لا في حكايته عن الماضي الذي لم يشاهده محمد ( ص ) ولم يقف على تاريخه ، ولا في إخباره عن الآتي في مسائل كثيرة وقعت كما أنبأ بها ، ولا في بيانه لخفايا الحاضر ، حتى حديث الأنفس ومخبآت الضمائر ، كبيان ما تبيت هذه الطائفة مخالفا لما تقول للرسول ( ص ) أو ما يقوله لها فتقبله في حضرته ، ولعدم استطاعته واستطاعة غيره ان يأتي بمثله في بيان أصول العقائد ، وقواعد الشرائع ، وفلسفة الآداب والاخلاق ، وسياسة الشعوب والأقوام ، مع اتفاق جميع الأصول ، وعدم الاختلاف والتفاوت في شيء من الفروع ، ولعدم استطاعته واستطاعة غيره ان يأتي بمثله فيما جاء به من فنون القول وألوان العبر في أنواع المخلوقات ، في الأرض والسماوات ، وفيها الكلام على الخلق والتكوين ووصف الكائنات بأنواعها ، كالكواكب وبروجها ونظامها ، والرياح والبحار والنبات والحيوان والجماد ، وما فيها من الحكم والآيات . وكلامه في ذلك كله يؤيد بعضه بعضا لاشية فيه ، ولا اختلاف بين معانيه ولعدم استطاعته واستطاعة غيره أن يأتي بمثله في بيان سنن الاجتماع ، ونواميس العمران ، وطبائع الملل والأقوام ، وايراد الشواهد وضروب الأمثال ، وتكرار القصة الواحدة ، بالعبارات البليغة المتشابهة ، تنويعا للعبرة ، وتلوينا للموعظة ، مع تجاوب ذلك كله على الحق ، وتواطئه على الصدق ، وبراءته من الاختلاف والتناقض ، وتعاليه عن التفاوت والتباين ، وفوق ذلك كله ما فيه من العلم الإلهي والخبر عن عالم الغيب والدار الآخرة وما فيها من الحساب على الاعمال ، والجزاء الوفاق ، وكون ذلك موافقا لفطرة الانسان ، وجاريا على سنة اللّه تعالى في تأثير الاعمال الاختيارية في الأرواح ، فالاتفاق والالتئام بين الآيات الكثيرة في هذا الباب ، هو غاية الغايات عند من أوتي الحكمة وفصل الخطاب